حين يصبح الحب مشروعاً فكرياً: إرفين يالوم ومارلين… زواج في مواجهة الموت

قد تكون العلاقة العاطفية التي جمعت بين الكاتب والمعالج النفسي الأميركي إرفين يالوم، وزوجته مارلين كونيك، الباحثة في الأدب المقارن وقضايا المرأة والحب، واحدة من أنجح العلاقات الفكرية والعاطفية التي عرفها القرن العشرون وبدايات القرن الحالي. غير أن صلابة هذه العلاقة في وجه الزمن لم تكن وليدة المصادفة، بل ثمرة تصميم واعٍ من الطرفين على تخليص الزواج من رتابته النمطية، وتحويله إلى مساحة صداقة عميقة، وتكامل فكري، وتشاطر صادق للنجاحات والانكسارات.
والراجح أن العامل الحاسم في نجاح هذه العلاقة، التي بدأت في سن مبكرة بين شريكين وُلدا مطلع ثلاثينات القرن الماضي، يتمثل في دعم كل منهما لطموحات الآخر ومشروعه الإبداعي. فبينما عملت مارلين في جامعة ستانفورد باحثة في شؤون المرأة والحب وتاريخ النساء والأدب المقارن، انصرف إرفين في الجامعة نفسها إلى التعليم والعلاج النفسي والكتابة الروائية. ولم ينظر أيٌّ منهما إلى الآخر بوصفه منافساً أو خصماً، بل شريكاً ومحفزاً، ورفيقاً في رحلة البحث عن المعنى والحقيقة.
وبرغم تعذّر التوقف طويلاً عند أعمال مارلين اللافتة، مثل «شقيقات الدم»، و«تاريخ الزوجة»، و«ميلاد ملكة الشطرنج»، لا بد من الإشارة إلى الانتشار العالمي الواسع الذي حققته، وترجمتها إلى أكثر من عشرين لغة، فضلاً عن فوز كتابها «كيف ابتكر الفرنسيون الحب» بجائزة المكتبة الأميركية في فرنسا. أما كتابها المميز «القلب العاشق»، فيُعد من أبرز الأعمال التي تناولت القلب بوصفه مركز الجسد، ومستودع الروح، وموطن الحب في المخيال الديني والفلسفي والأسطوري، من كيوبيد الإغريقي إلى رمزية عيد العشاق المعاصر.
في المقابل، حافظ إرفين يالوم في أعماله الروائية على تماس وثيق مع اختصاصه في الطب النفسي، فقدم أعمالاً فريدة مثل «علاج شوبنهاور» و«مشكلة سبينوزا»، ونال عنها جوائز مرموقة، أبرزها «جائزة سيغموند فرويد للعلاج النفسي». أما روايته الأشهر «حين بكى نيتشه»، فلم تحظَ بانتشارها الواسع لأنها تناولت أحد أعمدة الفلسفة الغربية فحسب، بل لأنها نسجت سرداً عميقاً يدور حول الحب اليائس، والألم الوجودي، والعلاج بوصفه تبادلاً إنسانياً، في صفقة رمزية بين الطبيب جوزف بروير والفيلسوف المأزوم فريدريش نيتشه.
وفي كتابه «التحديق في الشمس»، يذهب يالوم أبعد في مواجهة هاجس الموت، مستعيداً مقولة لاروشفوكو عن استحالة التحديق في الشمس والموت معاً، قبل أن يحاول تفكيك هذا الرعب الإنساني عبر الفلسفة والعلاج النفسي. ويستند إلى حجة أبيقور الشهيرة التي ترى أن الخوف من الموت بلا معنى، لأننا لا نوجد معه في اللحظة نفسها. كما يدعو إلى عيش الحياة بكامل طاقتها، وفتح أبوابها على احتمالات متعددة، لا حصرها في مسار واحد، حتى لا نترك للموت سوى «قلعة محترقة».
غير أن كل هذا البناء النظري بدا هشّاً حين أصيبت مارلين بسرطان نقي العظم. عندها فقط، وجد يالوم نفسه في مواجهة فجوة مؤلمة بين التنظير والتجربة. وفي ذروة المحنة، اقترحت مارلين، بذكاء لافت، أن يكتبا معاً عملاً مشتركاً يوثّق يوميات المواجهة مع المرض، فكان كتاب «مسألة موت وحياة»، شهادة نادرة على الحب، والمرض، والخوف، والقبول.
تكمن فرادة هذا الكتاب لا في تناوب الزوجين على كتابة فصوله فحسب، بل في التناقض الإنساني المؤلم بين هدوء مارلين في استقبال فكرة الموت، وحالة الهلع والإنكار التي أصابت إرفين، هو الذي طالما دعا مرضاه إلى تقبّل الفناء بعقلانية. وبين الألم والهروب إلى الذكريات، والسخرية السوداء، كتبت مارلين: «نحن زوج جيد… أنا مصابة بالسرطان النقوي، وهو يعاني من مشكلات في القلب واضطراب التوازن. نحن عجوزان في رقصة الحياة الأخيرة».
أما المفارقة الأشد قسوة، فلم تكن في حديث الزوجين عن الموت الرحيم أو الرغبة في الرحيل المشترك، بل في رد مارلين الساخر حين قال لها إرفين إنه لا يستطيع العيش بعدها، فأجابته: «لم أسمع في أميركا كلها عن تابوت يتسع لشخصين». كانت تلك الجملة، على الأرجح، رسالة حب أخيرة، تخفي يقيناً بأن الحياة ستستمر، وأنه سيفعل، كما يفعل البشر، ما يساعده على النجاة من الوحدة.
رحلت مارلين عام 2019، وبقي إرفين، الذي تزوج لاحقاً وهو في الثالثة والتسعين من عمره، شاهداً على علاقة نادرة أثبتت أن الحب، حين يقترن بالفكر والشجاعة، يمكنه أن يواجه حتى أكثر الحقائق قسوة: الموت.



